محمد بيومي مهران

139

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

خوارق الفلك ، وأسندت إليه واقعة بينة البطلان بذاتها ، وغير قابلة الوقوع . . . وواضح من أسلوب نقدهم أنهم يكتبون لإثبات دين ، وإنكار دين ، ولا يفتحون عقولهم للحجة حيث تكون ، فضلا عن الاجتهاد في طلب الحقيقة ، قبل أن يوجههم إليها المخالفون والمختلفون ، أما الواقع الغريب حقا ، فهو طواف إبراهيم بين أنحاء العالم المعمور ، ووقوفه دون الجنوب ، لغير سبب بل مع تجدد الأسباب التي تدعوه إلى الجنوب ، ولو من قبيل التجربة والاستطلاع . ويستطرد الأستاذ العقاد « 1 » - طيب اللّه ثراه - مبينا الأسباب التي تدعو الخليل إلى الاتجاه نحو الجنوب - نحو الحجاز - ذلك لأنه لم يكن صاحب وطن عند بيت المقدس ، سواء نظرنا إلى وطن السكن أو وطن الدعوة أو وطن المرعى ، فالمتواتر من روايات التوراة أنه لم يجد هناك مدفنا لزوجه فاشتراه من عفرون الحثي « 2 » ، أما الدعوة الدينية فقد كانت الرئاسة فيها الأحبار « إيل عليون » وكان إبراهيم يقدم العشر أحيانا لأولئك الأحبار « 3 » ، ومن المعروف أن من كان معه أتباع يخرجون في طلب المرعى ، فلا بد لهم من مكان يسيمون فيه إبلهم وماشيتهم بعيدا عن المزاحمة والمنازعة ، وهكذا كان إبراهيم يعمل في أكثر أيامه - كما تواترت أبناؤه في سفر التكوين - فلا يزال متجها نحو الجنوب . وهناك أسباب دينية غير الأسباب الدنيوية توحي إليه أن يجرب المسير إلى الجنوب ، حيث يستطيع أن يبني لعبادة اللّه هيكلا ، غير الهياكل التي كان يتولاها الكهان والأحبار من سادة بيت المقدس في ذلك الحين ، فقد بدا له أن

--> ( 1 ) عباس العقاد : المرجع السابق ص 191 - 193 ( 2 ) تكوين 23 : 4 - 20 ، وانظر مقالنا « قصة أرض الميعاد بين الحقيقة والأسطورة » ( 3 ) تكوين 14 : 18 - 20